فخر الدين الرازي
84
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بالطوافين ، ثم ثبت أن أحوال المحتاج الذي لا يسأل أحدا شيئا أشد من أحوال من يحتاج ، ثم يسأل الناس ويطوف عليهم ، ظهر أن الفقير يجب أن يكون أسوأ حالا من المسكين . الوجه السابع : أن المسكنة لفظ مأخوذ من السكون ، فالفقير إذا سأل الناس وتضرع إليهم وعلم أنه متى تضرع إليهم أعطوه شيئا فقد سكن قلبه ، وزال عنه الخوف والقلق ، ويحتمل أنه سمي بهذا الاسم ، لأنه إذا أجيب بالرد ومنع سكن ولم يضطرب وأعاد السؤال ، فلهذا السبب جعل التمسكن كناية عن السؤال والتضرع عند الغير ، ويقال : تمسكن الرجل إذا لان وتواضع ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام للمصلي : « تأن وتمسكن » يريد تواضع وتخشع ، فدل هذا على أن المسكين هو السائل . إذا ثبت هذا فنقول : إنه تعالى قال في آية أخرى : وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [ الذاريات : 19 ] فلما ثبت بما ذكرنا هاهنا أن المسكين هو السائل ، وجب أن يكون المحروم هو الفقير ، ولا شك أن المحروم مبالغة في تقرير أمر الحرمان ، فثبت أن الفقير أسوأ حالا من المسكين . الوجه الثامن : أنه عليه الصلاة والسلام قال : « أحيني مسكينا » الحديث ، والظاهر أنه تعالى أجاب دعاءه فأماته مسكينا ، وهو عليه الصلاة والسلام حين توفي كان يملك أشياء كثيرة فدل هذا على أن كونه مسكينا لا ينافي كونه مالكا لبعض الأشياء ، أما الفقير فإنه يدل على الحاجة الشديدة لقوله عليه الصلاة والسلام : « كاد الفقر أن يكون كفرا » فثبت بهذا أن الفقر أشد حالا من المسكنة . الوجه التاسع : أن الناس اتفقوا على أن الفقر والغنى ضدان ، كما أن السواد والبياض ضدان ولم يقل أحد إن الغنى والمسكنة ضدان بل قالوا : الترفع والتمسكن ضدان ، فمن كان منقادا لكل أحد خائفا منهم متحملا لشرهم ساكتا عن جوابهم متضرعا إليهم . قالوا : إن فلانا يظهر الذل والمسكنة ، وقالوا : إنه مسكين عاجز ، وأما الفقير فجعلوه عبارة عن ضد الغنى ، وعلى هذا فقد يصفون الرجل الغني بكونه مسكينا ، إذا كان يظهر من نفسه الخضوع والطاعة وترك المعارضة ، وقد يصفون الرجل الفقير بكونه مترفعا عن التواضع والمسكنة ، فثبت أن الفقر عبارة عن عدم المال والمسكنة عبارة عن إظهار التواضع ، والأول ينافي حصول المال ، والثاني لا ينافي حصوله . الوجه العاشر : قوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ في الزكاة : « خذها من أغنيائهم ، وردها على فقرائهم » ولو كانت الحاجة في المساكين أشد ، لوجب أن يقول : وردها على مساكينهم ، لأن ذكر الأهم أولى ، فهذه الوجوه التي ذكرناها تدل على أن الفقير أسوأ حالا من المسكين ، واحتج القائلون بأن المسكين أسوأ حالا من الفقير بوجوه : الأول : احتجوا بقوله تعالى : أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ [ البلد : 16 ] وصف المسكين بكونه ذا متربة ، وذلك يدل على نهاية الضر والشدة ، وأيضا أنه تعالى جعل الكفارات من الأطعمة له ، ولا فاقة أعظم من الحاجة إلى إزالة الجوع . الثاني : احتجوا بقول الراعي : أما الفقير الذي كانت حلوبته * وفق العيال فلم يترك له سيد سماه فقيرا وله حلوبة . الثالث : قالوا المسكين هو الذي يسكن حيث يحضر لأجل أنه ليس له بيت يسكن فيه وذلك يدل على نهاية الضر والبؤس . الرابع : نقلوا عن الأصمعي وعن أبي عمرو بن العلاء أنهما